هل تستطيع الإرادة المنفردة أن تنشيء التزاماً

0
(0)

 

 
civil law

هل تستطيع الإرادة المنفردة أن تنشيء التزاماً ؟ [1]  : 

رأينا فيما تقدم أن العقد ، وهو تطابق إرادتين ، يعتبر مصدراً عاماً للالتزام ، فيما هي قيمة الإدارة المنفردة ، وهل تستطيع أن تنشئ التزاماً ؟ وإذا كانت تنشئ الالتزام ، فهل هي كالعقد مصدر عام للالتزام ، أو أن القانون يقتصر على الاستناد إليها لإنشاء التزامات قانونية محدودة بمقتضى نصوص قانونية خاصة؟/div>

 

 

لاشك في أن الإرادة المنفردة ، وهي عمل قانوني صادر من جانب وأحد ( acte juridique unilatérale) ، تنتج آثاراً قانونياً مختلفة فقد تكون سبباً لكسب الحقوق العينية كالوصية ، وسبباً لسقوطها كالنزول عن حق ارتفاق أو حق رهن ، وقد تثبت حقاً شخصياً ناشئاً عن عقد قابل للإبطال كالإجازة ، وقد تجعل عقداً يسري على الغير كالإقرار ، وقد تنهى رابطة عقدية كعزل الوكيل أو نزوله عن الوكالة . أما بالنسبة إلى إنشاء الحق الشخصي ( الالتزام ) أو إسقاطه ، فالإرادة المنفردة في القانون المدني الجديد تسقط الحق الشخصي بالإبراء ( م 371 ) ، وبقي أن نعرف هل هي أيضاً تنشئ الحق الشخصي؟ وقبل أن نعالج هذه المسألة في القانون المدني الجديد ، نستعرض فيها نظريتين متعارضتين . فالنظرية الفرنسية تذهب إلى أن الالتزام الذي يتولد عن عمل قانوني لا يكون مصدره إلا عقداً أي توافق إرادتين ، أما الإرادة المنفردة فلا تولد التزاماً . وهذه قاعدة ورثها القانون الفرنسي من تقاليد القانون الروماني والقانون الفرنسي القديم ، وأصبحت من القواعد المتفق عليها فقها وقضاء في فرنسا ( [2] ) وفي مصر في عهد القانون القديم ( [3] ) . 


ولكن نظرية ألمانية ذهبت إلى أن الإرادة المنفردة تنشئ التزاماً . وعلى رأس القائلين بهذه النظرية من الفقهاء الألماني سيجل ( sieget ) ، فقد ذهب إلى أن تقاليد القانون الحرماني تساعد على الاعتراف بتوليد الإرادة المنفردة للالتزام ، فمن يتعاقد إنما يلتزم بالإرادة الصادرة منه لا بتوافق هذه الإرادة معم إرادة المتعاقد الآخر ، ورتب على ذلك أن الإيجاب وحده ملزم ، فلا يستطيع من صدر منه الإيجاب أن يعدل عنه . وقد انتصر لهذه النظرية غير سيجل من الفقهاء الألمان كثيرون ( [4] ) ، وساير الفقهاء الألمان بعض الفقهاء الفرنسيين ( [5] ) . ويستند أنصار النظرية الألمانية إلى الحجج الآتية ( 1 ) القول بضرورة توافق إرادتين لإنشاء التزام يسد الباب دون ضروب من التعامل يجب أن يتسع لها صدر القانون . فلا يمكن بغير الإرادة المنفردة أن نفسر كيف يستطيع شخص لها صدر القانون . فلا يمكن بغير الإرادة المنفردة أن نفسر كيف يستطيع شخص أن يلزم نفسه بعرض يقدمه للجمهور ، أي لغير شخص معين وقد يكون الدائن غير موجود في الحال ولكنه سيوجد في المستقبل . أو يكون موجودا ولكن حال بينه وبين القبول حائل بأن مات قبل صدور القبول منه أو فقد أهليته ، ففي كل هذه الفروض ، وهي فروض تقع كثيراً في العمل ، لا يمكن القول بوجود الالتزام في ذمة المدين إذا حتمنا توافق الإرادتين ، فالقول بجواز إنشاء الإرادة المنفردة للالتزام يرفع هذا الحرج . ( 2 ) من الصعب أن تتوافق إرادتان توافقاً تاماً . ولا يمكن التثبت من توافقهما إلا إذا تعاصرنا في لحظة واحدة ، وهذا مستحيل في التعاقد بالمراسلة . بل هو أيضاً مستحيل حتى إذا وجد المتعاقدان في مجلس واحد ، فإن أحد المتعاقدين لا بد أن يسبق الآخر في إظهار إرادته وهذا هو الإيجاب ، ثم يتلوه الآخر فيظهر القبول . فالإيجاب والقبول يتعاقبان ، فإذا أردنا التأكيد من أنهما يتعاصران فيتوافقان ، فلا بد من أن نفرض أن من صدر منه الإيجاب قد ثبت على إيجابه حتى اقترن بالإيجاب القبول ، وهذا محض فرض نأخذ به كما نأخذ بإرادة مفروضة تزعم أنها هي الإرادة الباطنة . والأولي أن نتجنب هذه الفروض وان نواجه الحقيقة كما هي ، فالملتزم بالعقد إنما يلتزم بإرادته هو لا يتوافق مع إرادة الدائن ، فهو يوجد حقاً في ذمته لشخص آخر بمجرد إعلان إرادته ، ورضاء الآخر بهذا الحق هو مجرد انضمام ( adhesion ) تطلبناه حتى لا يكسب الدائن حقاً دون إرادته . وقد لا تتوافق الإرادتان ومع ذلك يوجد العقد كما إذا عدل الموجب عن إيجابه وكان الطرف الآخر قد صدر منه القبول قبل أن يعلم بعدول الطرف الأول . ( 3 ) ثم أنه ليس في المنطق القانوني ما يمنع من أن يلتزم الشخص بإرادته ، فالإنسان حر في أن يقيد نفسه في الدائرة التي يسمح بها القانون ، بل أن سلطان الإرادة هنا أشد نفاذاً منه في نظرية توافق الإرادتين ، إذ الإرادة المنفردة تصبح قادرة وحدها على إيجاد الالتزام ، وهذا أقصى ما يصل إليه سلطانها . أما القول بوجوب توافق الإرادتين فبقية من بقايا الأشكال الغابرة التي كانت تحد من سلطان الإرادة ، فقديماً كانت الإرادة لا توجد أثراً قانونياً إلا إذا اقترنت بأشكال معقدة ، فقديماً كانت الإرادة لا توجد أثراً قانونياً إلا إذا اقترنت بأشكال معقدة ، ثم اندثرت هذه الأشكال حتى لم يبق منها اليوم إلا النادر ، وأصبحت الإرادة هي التي توجد الأثر القانوني الذي تتجه إليه ، فالواجب أن نصل في هذا التطور إلى غايته المنطقية ، وان نقول بأن للإرادة السلطان حتى لو لم تقترن بها إرادة أخرى . على أننا نتطلب رضاء الدائن حتى لا يكسب حقاً بالرغم منه ، ولكن هذا الرضاء لا يوجد الالتزام ، بل إن الالتزام ينشأ بمجرد صدور إرادة المدين .

ويعترض أنصار النظرية الفرنسية على النظرية الألمانية بما يأتي : ( 1 ) أن نظرية الإرادة المنفردة غير قائمة على أساس صحيح ، لأنه إذا أمكن فهم أن المدين يلتزم بإرادته المنفردة ، فلا يمكن أن يفهم كيف أن الدائن يصبح دائناً دون إرادته . فإذا قيل أن المدين يلتزم لغير دائن ، فما معنى هذا الالتزام وما قيمته؟ وإذا قيل أنه لا بد من إرادة الدائن حتى يصبح دائناً ، فهذا هو توافق الإرادتين ومنه ينشأ العقد ( 2 ) يقضى المنطق ذاته بعدم التسليم بنظرية الإرادة المنفردة . فإنه إذا قيل إن للإرادة المنفردة هذا السلطان ، وإن في مكنتها أن تولد التزاماً ، وجب القول أيضاً إنها تستطيع أن تقضي هذا الالتزام ، وما تستطيع الإرادة وحدها أن تستطيع وحدها أن تحله ، وبهذا يصبح التزام من التزم بإرادته المنفردة معلقاً على محض إرادته ، فيكون التزاماً منحلاً . ( 3 ) على أن نظرية الإرادة المنفردة مبنية على فروض غير صحيحة . فهي تفترض دائماً أن أحد المتعاقدين وزن الأمر قبل التعاقد ، وبت فيه بقرار نهائي ، وأعلن طفرة عن إرادته ، ولم يكن أمام الطرف الآخر إلا أن يقبل أو يرفض . مع أن الأمر غير ذلك . فالذي يقع في العمل عادة أن المتعاقدين يتفاوضان ، وما يزالان في أخذ ورد لا يستقل أحدهما بالأمر دون الآخر ، وكل إرادة تؤثر في الأخرى وتعدل من اتجاهها ، حتى تتوافق الإرادتان ، وعند ذلك يتم العقد . ومن هذا نرى أن إرادة الطرف الآخر ليست مجرد إقرار لإرادة الطرف الأول ، بل كثيراً ما تؤثر فيها ويتفاعلان حتى ينتج من تفاعلهما إرادة متحدة هي العقد ، فكلتا الإرادتين اشتركت في تكوين الالتزام ، ولم تستقل إحداهما بذلك كما يزعم أنصار نظرية الإرادة المنفردة . والآن بعد أن استعرضنا حجج الفريقين ، نفق قليلاً لتقدير مبلغ في نظرية الإرادة المنفردة من صحة . ونبدأ بملاحظة أن الاعتراضات التي يتقدم بها خصوم النظرية لا تصل من الخطر إلى حد أن تدك قواعدها . أما أن الدين لا يوجد دون دائن ، فقد قدمنا أن النظرية المادية تنظر إلى الالتزام كقيمة مالية أكثر منه رابطة شخصية ، ويترتب على هذا النظر أنه يمكن تصور دين دون دائن ما دام المدين موجوداً وقت نشوء الدين وما دام الدائن يوجد وقت تنفيذ الدين ولو لم يوجد قبل ذلك . أما القول بأنه إذا صح للإرادة المنفردة أن تنشئ التزاماً صح لها أيضاً أن تقضيه ، فهذا خلط بين أثر في العالم النفسي وأثرها في الروابط الاجتماعية . فإن الإرادة إذا أعلنت وعلم بها الغير فاطمأن إليها ، ولدت ثقة مشروعة يستطيع الناس الاعتماد عليها ، فوجب احترام هذه الحالة التي أوجدتها الإرادة المنفردة إذا عقدت التزاماً وحدها قد لا يستطيع وحدها أن تحله إذا حال دون ذلك وجوب استقرار التعامل . يبقى الاعتراض الثالث ، وهو أن العقد وليد مفاوضات تتفاعل فيها الإرادتان وتؤثر إحداهما في الأخرى . وهذا صحيح من الناحية النفسية أيضاً ، أما من الناحية الاجتماعية فمن الممكن أن نميز مرحلة تنتهي عندها هذه المفاوضات ويدخل الإيجاب في دوره النهائي ويصبح إيجاباً باتاً ولا شك في أن هذا الإيجاب البات قد أثرت فيه عوامل مختلفة قبل أن يصبح كذلك ، ومن أهم هذه العوامل إرادة الطرف الآخر ، ولكن لا شك أيضاً في أنه بعد أن أصبح إيجاباً باتاً صار منسوباً لإدارة من صدر منه ما دام قد ارتضاه في النهاية ، وعند ذلك يتحقق أن يكون أحد الطرفين قد تقدم بإرادة نهائية ليس للطرف الآخر إلا إقرارها . هذا إلى أن هناك أحوالاً كثيرة تقع في العمل ، يتقدم فيها أحد الطرفين بإيجاب بات لا تسبقه مفاوضات ومن ذلك ما يجري في عقود الإذعان .

فنحن لا نرى فيما تقدم من الاعتراضات على النظرية الألمانية ما يصلح لهدمها . ولكننا مع ذلك لا نعتقد أن الفرق كبير من الناحية العملية بين النظريتين الألمانية والفرنسية . ذلك أن الأساس المنطقي للنظرية الألمانية هو أن الإرادة قادرة على إلزام صاحبها ما دام يلتزم في دائرة القانون ، ولا حاجة أن تقترن إرادة الدائن بإرادة المدين حتى ينشأ الالتزام . ونحن لا نرى لماذا لا يكون هذا صحيحاً من الناحية المنطقية فحسب ، بل من الناحية القانونية أيضاً . وما دام القانون قد وصل في تطوره إلى أن يجعل للإرادة سلطاناً في إيجاد الآثار القانونية ، فلماذا يقف سلطان الإرادة دون إنشاء الالتزامات ! يستطيع المدين إذن أن يلتزم بإرادته المنفردة ، ولكنه يستطيع أيضاً ، وطبقاً لسلطان الإرادة ذاته ، أن يتحلل من التزامه بإرادة المنفردة ما دامت هذه الإرادة لم تولد ثقة مشروعة . فالالتزام الذي يعقده المدين بإرادته التزام محلول . وإلى هنا لا يوجد فرق كبير بين النظريتين الألمانية والفرنسية . فالنظرية الأولي ترى المدين قد أوجد التزاماً بإرادته المنفردة ولكنه التزام ينحل عنه في أي وقت شاء ، والنظرية الثانية ترى المدين لم يوجد بإرادته المنفردة أي التزام . ولا يوجد فرق عملي كبير بين التزام غير موجود والتزام موجود ولكن يمكن التحلل منه . بقى أن النظرية الألمانية لا تسمح للملتزم بإرادته المنفردة أن يتحلل من التزامه إذا ولدت إرادته ثقة مشروعة لا يجوز الإخلال بها . وهذا لا يتحقق إلا إذا فرضنا أن إرادة المدين قد ولدت عند شخص معين . هو الدائن . ثقة مشروعة جعلته يطمئن إلى العمل بمقتضى هذه الإرادة . فإذا تحقق هذا الفرض ، وألزمت النظرية الألمانية المدين بإرادته المنفردة ، جاز للنظرية الفرنسية أن تقول بالتزام المدين أيضاً ، ولكن لا بإرادته المنفردة ، بل بتوافق إرادته مع الإرادة الضمنية للدائن وهي إرادة تستخلص من اطمئنانه لإرادة المدين والنزول على مقتضاها في تصرفه وسواء كان سبب التزام المدين في هذه الحالة هي إرادته المنفردة كما يقول الألمان ، أو العقد كما يقول الفرنسيون ، فالنتيجة العملية واحدة ، إذ المدين ملتزم التزاماً لا رجوع فيه في كلا القولين .

على أننا مهما قربنا ما بين النظريتين ، فإنه لا يفوتنا أن الأساس الذي بنى عليه كل مهما لا يزال مختلفاً . وهذا الاختلاف في الأساس قد يؤدى إلى نتائج ذات نتائج ذات بال . ويكفي أن نشير هنا إلى أنه في الفرض الأخير الذي عالجناه ، إذا قلنا مع الألمان بالتزام المدين بإرادته المنفردة ، كان التزامه موجوداً منذ صدور هذه الإرادة . أما إذا قلنا مع الفرنسيين إن المدين يلتزم بتوافق إرادته مع إرادة الدائن ، لم يوجد الالتزام إلا عند توافق الإرادتين ، أي عند صدور الإدارة الضمنية من الدائن . ثم إن التمشي مع النظرية الألمانية يجعلنا نحذف العقد من بين مصادر الالتزام ، ونحل الإرادة المنفردة محله . أما النظرية الفرنسية فلا تفسح مجالاً للإرادة المنفردة بين هذه المصادر ، وتجعل العقد وحده هو العمل القانوني الذي ينشئ التزاماً .

ومهما يكن من أمر فإن القانون الألماني ذاته لم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام ، بل أخذ بها على سبيل الاستثناء في حالات محددة على سبيل الحصر بمقتضى نصوص قانونية خاصة ( [6] ) . أما المشروع الفرنسي الإيطالي فقد جعل من الإرادة المنفردة ، إلى جانب العقد ، مصدراً عاماً للالتزام ( [7] ) . وسنرى الآن أن القانون المصري الجديد نهج منهج القانون الألماني ، فلم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام إلا في حالات محدودة وردت بها نصوص خاصة .

 

( [1]) تنقل ما يلي عن نظرية العقد للمؤلف فقرة 180 – فقرة 185 .

( [2]) بودري وبارد 1 فقرة 38 ص 36 – ص 37 – أوبرى ورو 4 فقرة 342 – لوران 10 فقرة 465 – ديمولومب 24 فقرة 45 – يبدان في الالتزامات فقرة 58 . محكمة النقض الفرنسية في 29 أبريل سنة 1903 سيريه 1908 – 1 – 404 .

( [3]) والتون 1 ص 17 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 181 – محكمة الاستئناف المختلطة في 30 ينايرسنة 1896 م 8 ص 101 – وفي 9 يونية سنة 1898 م 10 ص 322 – وفي 15 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 32 .

( [4]) أنظر جاكوبيJACOBI ) وكونتسKUNTZE ) وكين KOPPEN ) ومانزمان MANNESMANN ) وهو لتسندروفHOLZENDORFF ) في المراجع المشار إليها في نظرية العقد للمؤلف ص 186 هامش رقم 1 .

( [5]) أنظر تاردTARDE ) في تطورات القانون ص 120 – ديموج في الالتزامات 1 فقرة 18 ص 55 و 2 فقرة 553 ص 136 – كولان وكابيتان 2 ص 271 – ص 272 – ورمز في رسالته الإرادة المنفردة باريس سنة 1891 والأستاذ ورمز هو من أسبق الفقهاء الفرنسيين إلى نشر نظرية الإرادة المنفردة في فرنسا إلى جانب الأستاذ سالي الذي تولى نشر النظريات الألمانية في كتابيه المعروفين الالتزامات في القانون الألماني والإعلان عن الإرادة وقد تشيع الأستاذ ورمز لنظرية الإرادة المنفردة اكبر تشيع ، وهو يرى أن التطور التاريخي للإرادة ، باعتبارها منشئة للالتزام ، يدل على أنها تخلصت تدريجياً من الأوضاع التي كانت تحوط بها ، وان لها أن تتخلص من ذلك جملة واحدة فلا تبقى على اشتراط توافق إرادتين لإنشاء الالتزام لأن ضرورة اتحاد إرادتين نوع من الشكلية لا يزال باقياً ، فإذا قضينا عليه أصبحت الإرادة المنفردة كافية لإنشاء الالتزام . والدليل على أن الإرادة الواحدة هي التي تولد الالتزام أن من صدر منه الإيجاب إذا عدل عن إيجابه ولم يصل ذلك الى علم الطرف الآخر قبل أن يقبل ، فإن العقد يتم رغماً من عدول الموجب وعدم توافق الإرادتين ، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بأن الإيجاب ، وهو إرادة منفردة ، ملزم بذاته رسالة الأستاذ ورمز ص 165 وص 179 ) . ويقول أيضاً إنه متى سلمنا بأن الإرادة المنفردة تكون مصدراً للالتزام ، فلا معنى لعدم الأخذ بهذا المذهب في العقد ذاته ، لأنه إذا كانت الإرادة وحدها تولد التزاماً ، فلماذا لا تستطيع أن تكون هي وحدها مصدر الالتزام إذا اقترنت بإدارة أخرى ، فهل يمكن أن تكون الإرادة المقترنة بإرادة أخرى أضعف من الإرادة المنفردة‍ أنظر رسالة الأستاذ ورمز ص 93 ) .

( [6]) وقد نصت 305 من القانون المدني الألماني على أن إنشاء الالتزام من طريق العمل القانوني لا يكون إلا بعقد ، عدا الأحوال التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك وفي هذا يقول المعلقون على الترجمة الفرنسية الرسمية للقانون الألماني ما يأتي : ” إن الغرض من تقرير هذا المبدأ هو إخراج الإرادة المنفردة من أن تكون مصدراً عاماً لإنشاء الالتزامات ، في الحد الذي ينشأ فيه الالتزام من عمل قانوني . صحيح أنه طلب ، حتى من اللجنة الثانية لتحضير مشروع القانون الألماني ) ، حذف هذا النص ، لتترك المسألة لتقدير الفقهاء . وقد كان هذا يسمح للقضاء ، مع تملكه بالقاعدة التقليدية ، أن يتوسع في الاستثناءات التي يدخلها على القاعدة . ولكن الأغلبية لم تكن من هذا الرأي . ومع ذلك فقد أريدت الإشارة إلى الأحوال الاستثنائية التي يعترف بها القانون ، حتى يكون من المقرر أن الحالات التي يسلم فيها القانون بأن الالتزام ينشأ من مجرد إرادة منفردة يكون من المستطاع تصورها على اعتبارها أنها استثناء من القاعدة الواردة في المادة 305 ، وتطبيق لنظرية الإرادة المنفردة ” الترجمة الفرنسية للقانون الألماني م 305 )

هذا وقد احتاط المشروع الألماني في أنه لم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام لاعتبارات عملية . وفي هذا يقول سالي : ” إذا كان المشروع الألماني قد رفض الأخذ بالنظرية كمبدأ عام ، فذلك راجع دون شك للأسباب التي أبداها برنتزBrins ) ، فإن من الخطر إعطاء مثل هذه الحرية للإرادة ، إذ يصعب ، أمام مظهر هذه الإرادة المنفردة أن نتبين أن هناك التزام بات جدي ، أو أنه لا يوجد إلا قول ألقي جزافاً دون أن يقصد صاحبه أن يتقيد به ” الالتزامات في القانون الألماني فقرة 142 ) .

( [7]) وقد أنفرد المشروع الفرنسي الايطالي بعقد فصل خاص للإرادة المنفردة باعتبارها مصدراً عاماً للالتزام فقضى في المادة 60 بأن الإرادة المنفردة إذا كانت مكتوبة ، واقترنت بأجل محدد ، تلزم صاحبها بمجرد وصولها إلى علم من توجهت إليه ولم يرفضها ، وتنطبق على الإرادة المنفردة القواعد التي تنطبق على العقد عدا القواعد المتعلقة بضرورة توافق الإرادتين لإنشاء الالتزامات .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي أن هذا النص كان مثاراً للمناقشة بين أعضاء اللجنتين الفرنسية والإيطالية . فقد ظن البعض أن في تقرير هذا المبدأ تجديداً جريئاً لا يتطلبه العمل ، ولكن هذا الاعتراض ، إذا كان فيه بعض الوجاهة بالنسبة إلى القانون الفرنسي ، غير وجيه بالنسبة إلى القانون الفرنسي ، غير وجيه بالنسبة إلى القانون الإيطالي . فقد نصت المادة 36 من القانون التجاري الإيطالي على أنه في العقود الملزمة لجانب وأحد يعتبر الإيجاب ملزماً بمجرد وصوله إلى علم من وجه إليه ، فالتجديد ليس إذن كبيراً بالنسبة إلى هذا القانون . ومن المفيد إدخاله في القانون الفرنسي فهو يضع حداً للخلاف في تعرف طبيعة بعض الأعمال القانونية ، هل هي عقود أو هي مجرد إرادة منفردة كما في تطهير العقار ، وهو في الوقت ذاته يوسع دائرة احترام ما يصدر عن الشخص من وعد ، بالتمشي مع ما يقتضه حسن النية . على أن المادة 60 قد رسمت حدوداً معقولة لهذا التجديد ، فهي لم تكتف بالشروط الموضوعية للعقد من الأهلية ومشروعية المحل والسبب ، بل اشترطت فوق ذلك أن تكون الإرادة المنفردة الملزمة ثابتة بالكتابة ، وأن تحدد مدة لبقائها ملزمة أنظر ص 71 – ص 73 من المذكرة الإيضاحية المذكورة ) .

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 0 / 5. Vote count: 0

No votes so far! Be the first to rate this post.

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Tell us how we can improve this post?