الشك واليقين في المحاكمة الجنائية

0
(0)

مقدمة في المحاكمة الجنائية والتحقيق النهائي والشك واليقين:

عندما يتولى القضاء نظر الدعوى الجنائية ، تتقيد المحكمة باحكام متعددة منها بل واهمها ما يتعلق بتنطيم عملية الإثبات في المواد الجنائية ببيان قواعد جمع الأدلة بمعرفة المحكمة عن طريق ما يسمى بالتحقيق النهائي  في إطار مبدأ حرية المحكمة في تكوين عقيدتها. بمعنى ان حرية المحكمة الجنائية مقيدة ومشروطة ببيان الأسباب التي كونت منها عقيدتها سواء بالإدانة والبراءة. وهذه الأسباب يجب ان تكون واضحة وكافية غير متناقضة ولا يشوبها الفساد في الاستدلال. بحيث تؤدي الأسباب الى النتيجة وهي الحكم بالادانة او بالبراءة ، محكومة بسلامة الاستنتاج وتؤدي الاسباب الى النتيجة بحكم اللزوم العقلي والمنطقي، بلا مخالفة للقانون سواء بالخطأ في تطبيق القانون ، او في تأويل القانون .

وحرية المحكمة في تكوين عقيدتها غير مطلقة من الرقابة  ولهذا كانت مقيدة بحدود واقعة الدعوى. فلا يقضي القاضي بناء على اتجاه لديه في خصوص نوع معين من الجرائم ، وبحيث لا يصادر القاضي على المطلوب ، بما مؤداه حياد القاضي وتمكينه الدفاع من ان يبدي دفاعه في حرية تامة، بحيث إذا طلب الدفاع طلبا جازما في الدعوى كان على المحكمة إجابته إليه ، فلن يضار العدالة في شيء تحقيق طلبات الدفاع. بل الضرر كل الضرر في حرمان الدفاع من تحقيق طلباته الموضوعية  سواء في المسائل المتفرعة عن الدعوى ، فإن المحكمة لا تعرف أثر تحقيق الطلب إلا بعد قيامها بتلبية الدفاع إليه ،ولهذا كانت المحاكمة الجنائية هي الباب الأخير الذي يلجه المتهم للدفاع عن نفسه وإبداء ما فاته ، والمحاكمة هي الباب النهائي للدعوى الجنائية بحيث إذا وصل القاضي للحكم انتهت الدعوى بالعقاب . والعقاب هو المطلوب في الدعوى الجنائية ، ولهذا فإن موضوع كل الدعاوى الجنائية واحد يتمثل في طلب توقيع العقاب على المتهم.

وما الواقعة التي من أجلها  يمثل المتهم إلا الفعل او مجموعة الأفعال في ظروف زمانية ومكانية وملابسات ويعبر عنها بانها الواقع..اما الحقيقة فهي النتيجة التي تصل لها المحكمة لهذا قيل عن الأحكام أنها عنوان الحقيقة.

لهذا يجب التمييز بين الواقع المتمثل في الواقعة وهي سبب الدعوى الجنائية وبين موضوعها وهو طلب العقاب ..

ومهما اختلفت الاوصاف للفعل المادي ومهما تعددت احتمالات النصوص الممكن تطبيقها على الواقعة ، فإن محاكمة متهم بوصف معين يمنع محاكمته بوصف جديد ، مهما ظهر من أدلة..

لأن الاجراءات الجنائية تستمد من القواعد الدستورية وهي ضمان العدالة ولا عدالة حينما يقع الشخص تحت تهديد المحاكمة لأكثر من مرة لمجرد اكتشاف نص قانوني يمكن تطبيقه على الواقعة او وصف جديد، فلا عبرة  بأي دليل يظهر ، مادام تمت محاكمة المتهم عن الواقع ونتج عنها حكم فاصل في طلب العقاب من عدمه، فإن حكم بالادانة انتهى الواقع بالحكم ولاسبيل الى معاودة تجديد المحاكمة باي وصف آخر.

ولهذا فإذا كان حكم المحكمة في الواقعة  ذاتها غير فاصل في موضوعها بمعنى أنه مجرد حكم  صادر بعدم الاختصاص  فلا يعتبر هذا فاصلا في طلب العقاب.. ولهذا يمكن المحاكمة مرة أخرى.

والمحكمة غير مقيدة بالوصف ولا النص العقابي  مادامت في حدود الواقعة ، فلها ان تعدل التهمة وليس الواقعة، بحيث يمكن لها وصفها بوصف آخر ، ولها ان تضيف لها الظروف المشددة . وذلك في إطار المبدأ الدستوري :التقاضي على درجتين.

ولهذا عندما تطرح الدعوى الجنائية على القضاء لا تكون قد مرت إلا بمرحلة أولية من مراحل الاثبات في المواد الجنائية ، فقد تطرح الدعوى على القضاء بعد جمع الاستدلالات وإما بعد التحقيق وقد تعرض الدعوى بعد الانتهاء من الأمرين معاً ، ولا يعتبر ذلك سوى مرحلة اولية من مراحل الاثبات في المواد الجنائية.

ولهذا فقد أوجب  القانون  على المحكمة الجنائية أن تقوم  ابتداءا  بتحقيق الأدلة التي تعرض عليها بنفسها حتى يتسنى لها تمحيصها جيدا وتتمكن من تقليب وجوه النظر فيها على الاحتمالات كافة ، وفي النهاية تكوين عقيدتها في ضوء ما تطمئن اليه من استدلالات او ادلة يكشف عنها التحقيق ، إما باقتناع المحكمة بثبوت التهمة  بناء على الجزم واليقين لا الشك والتخمين ، وإما الاقتناع ببراءة المتهم ، او وجود بعض الشكوك في أدلة اتهامه ، وما على المحكمة والأمر كذلك إلا إطلاق سراحه فخير أن يبريء المسيء من أن يدان البريء خطأ أو تسرعاً.

والمحكمة في إطار هذا تقوم بعملية التحقيق النهائي  وفقا لطرق الاثبات من اعتراف أو شهادة شهود او معاينة أو خبرة فنية أو قرائن..وهي واجب على المحكمة سواء من تلقاء نفسها او بناء على طلب الدفاع ، والمحكمة  دائما مقيدة بالقانون ، والضمانات الدستورية المقررة بقانون الاجراءات الجنائية في جميع الأحوال ولايصح للمحكمة الاحتجاج بانها حرة في تكوين اقتناعها ،دون ان تسلك كل المسالك لتحقيق دفاع محدد صادر من المتهم.

وتعمل المحكمة  للوصول الى يقين بحيث إذا ظهر شك  يجعل  التردد بين امرين  لا حكم لها الا بالبراءة ، لأن الشك مهما قل يفسر لصالح المتهم.بدون تحيز او مصادرة من المحكمة على أثر هذا الشك. فمجرد الشك  يعني البراءة …

ويعرف الشك بانه: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر عند المجوز، فالتردد في قيام زيد ونفيه على السواء، شك.

وفلسفيا هو:هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لاحدهما على الاخر.

وفي المحاكمات  : يرجح الشك ذاته او بعض جزئياته .على أي امر آخر.فحق العقاب للدولة ليس مطلقاً ..يهدمه الشك ولو كان بنسبة ضئيلة. لأن الأحكام الجنائية تبنى على الجزم . بمعنى ان القانون الجزائي نفسه ومن ورائه  شيوخ القضاة بالمحاكم العليا  يسعى لتحقيق العدالة المطلقة .وليس النسبية التي بتحقق بعض جزئياتها يعاقب المتهم. وذلك لأن العقاب ليس هو الحل الوحيد لمشكلة الجريمة .

واجتهاد المحكمة في عملها هو الاجتهاد في تلمس البراءة وليس الادانة.. وذلك مستق من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع ماعز والغامدية (وقد اعترفا بجرم الزنا) فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ردهما  حتى  لا يعاقبا ولكنهما  أصرا على الاعتراف طالبين العقاب : فكان دور الرسول صلى الله عليه وسلم : وهو قاضي القضاة والحاكم البشري الأول : مصداقا لقوله :(( ادرءوا الحدود بالشبهات…))

كما ان القاعدة الأصولية الكبرى تقضى بان اليقين لا يزول بالشك.  فالأصل البراءة  و الاتهام عارض. والعارض لا يصلح لان يكون سببا لحكم.

فالشك يمنع من إصدار الحكم  : سواء بالقبول او الرفض ولهذا وجب الرجوع للأصل وهو البراءة .. وهي أم القرائن.

م م عطية المحامي

ولله الحمد والملك

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 0 / 5. Vote count: 0

No votes so far! Be the first to rate this post.

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Tell us how we can improve this post?

2 thoughts on “الشك واليقين في المحاكمة الجنائية

  1. السلام عليكم
    بصراحة موقع رائع وجهد رائع ونتمنى من الله التوفيق لكم ويجازيكم الله كل خير
    عن كل ما قدمته وتقدمه من فائده عظيمه للكل – مع تحياتى واحترامى

التعليقات أُغلقت.